ريادة أعمال

«سن الرشد».. حين بلغ جيل ريادة الأعمال العربي مرحلة النضج

كتاب «سن الرشد»، نافذة واسعة لنور سويد، تستعرض خلالها رحلات ثلاثين شركة متنوعة، وترصد لحظات النجاح والتعثر معًا، لصياغة خريطة إنسانية لريادة الأعمال.

future غلاف كتاب «سن الرشد.. أثر التكنولوجيا وريادة الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» الصادر عن دار نهضة مصر

لم يعد جيل الألفية أو «جيل واي»، مواليد الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات بالتقريب، ذلك الجيل الذي يُنظر إليه بوصفه مشروعًا مؤجَّلًا للمستقبل.

لقد بلغ سنّ الرشد فعلًا، لا بيولوجيًا فقط، بل اقتصاديًا وثقافيًا ومهنيًا. جيلٌ يتقدّم الصفوف في ريادة الأعمال، وينشر ما يمكن تسميته بـ«عدوى الطاقة الإيجابية» عبر قصص النجاح الملهمة، حيث تتحول التجربة الفردية إلى نموذج قابل للتكرار، والفشل إلى درس معلن بلا خجل.

في كتابها «سن الرشد.. أثر التكنولوجيا وريادة الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» (نهضة مصر: 2025)، تفتح نور سويد، رائدة الأعمال والمستثمرة البارزة، نافذة واسعة على هذا التحوّل، عبر استعراض رحلات ما يقرب من ثلاثين شركة ومؤسسيها ينتمون إلى قطاعات مختلفة من التكنولوجيا إلى الصناعة والخدمات، من بينها «سوق» و«مكتوب» و«بيت» و«بروكسيمي» وغيرها.

لا تقدّم الكاتبة سردًا احتفاليًا بالنجاح وحده، بل ترصد لحظات التعثر والانكسار، ومسارات التغيير وإعادة الاختراع، لتصوغ من هذه التجارب خريطة إنسانية لريادة الأعمال، حيث لا يُقاس النضج بعدد الأرباح فقط، بل بالقدرة على الاستمرار، والتعلّم، وتحويل القلق إلى طاقة عمل.

ونور سويد سورية الأصل، وُلدت في بوسطن، ونشأت في لندن، وتعمل الآن في دبي. رائدة أعمال أسست شركة ناشئة وباعتها، ووسعت نطاق شركة أخرى قائمة وأدرجتها في البورصة، وعملت في جهات حكومية، ثم تحولت للاستثمار، وشغلت منصب المؤسس والشريك الإداري في شركة Global Ventures. تعمل حاليًا مع مؤسسين يطورون منظومة ريادة الأعمال والتكنولوجيا.

أما ريادة الأعمال فمصطلح مرن. بحسب ورقة بحثية نشرتُها بالإنجليزية في المجلة العربية لبحوث الإعلام والاتصال عام 2021 بعنوان Entrepreneurship Media: Brand Journalism and Verticals، فإن المصطلح يعود أصله إلى كانتيلون عام 1734، حين كانت ريادة الأعمال تعني العمل الحر بعائد غير مؤكد.

عرّفها شومبيتر (1942) بأنها عملية ابتكار تركيبات جديدة، كمنتجات أو عمليات أو أسواق أو أشكال تنظيمية أو مصادر توريد جديدة. واقترح شارما وكريسمان (1999) ارتباط الشروط التي تحدد هذا المفهوم بالحداثة في الاستراتيجية أو الهيكل أو تجديد الأعمال أو الابتكار، موسعين بذلك التعريف ليشمل الفرص الريادية والأفراد الرياديين. في حين عرّف البروفيسور هوارد ستيفنسون، رائد دراسات ريادة الأعمال في كلية هارفارد للأعمال، ريادة الأعمال بأنها السعي وراء الفرص التي تتجاوز الموارد الخاضعة للسيطرة (آيزنمان، 2013)، مما ينطوي على مخاطر كبيرة.

ولكي يزدهر النظام البيئي لريادة الأعمال، لا بد من وجود قطاع وآليات تحفيزية متكاملة تدعمه وتُعزز نموه. يُعرّف هانت وكيفر (2017) صناعة ريادة الأعمال بأنها «السلع والخدمات المُخصصة تحديدًا لاكتشاف الفرص وتطويرها من قِبل رواد الأعمال الحاليين والمحتملين».

الأصليون من الصقور المُحلّقة

في كتاب «سن الرشد» سرد لقصة نمو ريادة الأعمال في العالم العربي وعقدها الذهبي الماضي (2011-2020). انطلقت شرارة هذه الحقبة عام 2009 بإلقاء الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما خطابه في جامعة القاهرة بعنوان «بداية جديدة».

بالتوازي مع ذلك، برزت ريادة الأعمال الناشئة وازدهرت في أعقاب قمة أوباما الرئاسية لريادة الأعمال في واشنطن العاصمة بعد عام واحد. هدفت القمة إلى تحديد سبل تعزيز الروابط بين قادة الأعمال والمؤسسات ورواد الأعمال الاجتماعيين في الولايات المتحدة والمجتمعات الإسلامية حول العالم.

وانطلاقًا من هذا الزخم، حشدت الولايات المتحدة استثمارات تجاوزت ملياري دولار، وأطلقت برامج تبادل مثل «تيك وومن»، وأقامت شراكات لنقل المعرفة والخبرة من قادة التكنولوجيا المتقدمة في وادي السيليكون إلى شركائهم. وتركزت مجالات الاهتمام حول رأس المال الاستثماري والتوجيه وحاضنات التكنولوجيا.

ينقسم الكتاب الذي تبدأ فصوله بأمثال عربية، ويقترب عدد صفحاته من 400 صفحة، إلى ثلاثة أقسام؛ الأول نظرة عامة عن المنطقة بإطار لركائز النمو من رأس المال البشري والتمويل والبنية التحتية والطلب/السوق والثقافة والحوافز، وتمهيد للنماذج التي سيتم تناولها، والثاني يستعرض القطاعات الخمسة الرائدة في العقد الماضي وأبرز نماذجها، والثالث يستشرف المستقبل وقطاعاته الثلاثة الجديدة المهيمنة ويتطلع لتجارب دالّة وأخرى ستظهر لتُشكّل العقد القادم، فالمنطقة على أعتاب نهضة تكنولوجية جديدة.

يتناول الكتاب الاقتصادات الناشئة التي سخرت ريادة الأعمال لدفع عجلة النمو وبناء النظم البيئية الداعمة وتشجيع الشباب على المبادرة، بالتركيز على أربع دول تعدّهم المؤلفة «الصقور المُحلّقة»، وهي الإمارات والسعودية ومصر والأردن، بالإضافة إلى قصص من قطر والبحرين وسلطنة عمان.

توضح سويد أبعاد الاختيار قائلة إن الإمارات مركز عالمي للأعمال والتكنولوجيا، وفيها بنية تحتية قوية تدعم الشركة الناشئة والمتوسعة على السواء، بينما السعودية مرّت بعملية تحويل للاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط عبر رؤية 2030، بالإضافة إلى استثماراتها في التكنولوجيا والابتكار والترفيه.

أما مصر فلأنها تركت بصمة على خارطة القوى الاقتصادية الإقليمية، وطورت البنية التحتية والصناعات والمنظومة التكنولوجية المزدهرة، فيما بنت الأردن اقتصادًا مزدهرًا يعتمد على التكنولوجيا حتى أصبحت رائدة قطاع تنمية المواهب وريادة الأعمال.

وإلى جانب استخدام كتاب سويد لمصطلح الصقور المُحلّقة قاصدًا الدول العربية الأربع، فإنه كذلك يستخدم مصطلح الأصليون الذين شقوا طريقهم في ظروف بالغة الصعوبة وواجهوا تحديات جسامًا إلى أن حققوا نجاحات باهرة. قلةٌ قليلة هم الأصليون السباقون الأبطال الذين شكلوا اليوم لوحة الابتكار وريادة الأعمال الزاخرة بعد أن كانت فارغة صحراء جرداء، كما كانت دبي عام 1995 حين انتقلت إليها المؤلفة.

تغيرت المنطقة من وقت كانت ريادة الأعمال فيه محفوفة بالمخاطر والفشل غير مقبول ثقافيًا، إلى زمن احتلت فيه دبي المركز الأول باعتبارها المنظومة الأسرع نموًا لرأس المال الاستثماري في العالم من عام 2018 إلى عام 2023، والتحول من سوق ناشئة إلى قوة عالمية للابتكار وريادة الأعمال.

وبينما هيمنت خمس قطاعات رئيسية على العقد الماضي، وكان لها الدور الأساسي في تحقيق الازدهار الاقتصادي والنمو، وهي الخدمات المالية، والرعاية الصحية، والتعليم، والغذاء والزراعة، وسلاسل التوريد، فإن الكتاب يرصد قطاعات العقد القادم المعتمد على التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة والابتكارات في قطاع الطاقة. نقرأ ص39:

«لقد نجحت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في إعادة تعريف دورها وصقل قدراتها على مدى العقد الماضي، بفضل عوامل عدة، على رأسها الثقافة الداعمة، والمجتمع الشاب المؤهل، والقيادة المؤمنة بأهمية التكنولوجيا وذات الفكر المستقبلي. ولكي نطلق العنان لإمكانات المستقبل؛ يجب علينا فهم ثقافة المنطقة وعقلية شعبها، ورغبتهم في المشاركة في مسيرة النمو والازدهار الاقتصادي، ولكن بموجب شروطهم الخاصة».

حكايات رواد الأعمال

بدأت طفرة المؤلفات التي تتناول الشركات الناشئة وريادة الأعمال في المنطقة العربية بكتاب «نهضة الشركات الناشئة.. ثورة ريادة الأعمال في الشرق الأوسط» (جبل عمان ناشرون: 2014) لكريستوفر شرودر، وهو الأول عن ريادة الأعمال في الشرق الأوسط.

الكتاب مبني على مقابلات مع أكثر من 150 رياديًا في الشرق الأوسط، ويقدم نظرة عن قرب حول ثورة الشركات الناشئة التي تجعل من الشرق الأوسط منطقة حاضنة للابتكار التكنولوجي وفرص الاستثمار. وشرودر رائد أعمال أمريكي في مجال وسائل الإعلام التكنولوجية، ومستثمر، حظي بمقعد في المجلس الاستشاري لكلية إدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في القاهرة.

هناك أيضًا كتاب «ستارت أب عربية» (نهضة مصر: 2019) لأمير حجازي. يستعرض الكتاب 23 قصة نجاح لرواد أعمال في شركات ناشئة في الشرق الأوسط حققوا إنجازات لافتة في مجال التكنولوجيا على الصعيد العالمي، وشكل نجاحهم نقطة تحول هامة في مشهد الأعمال الإقليمي بفتح آفاق واسعة لفرص جديدة للثراء والتأثير الاجتماعي، منطلقين من رؤى جريئة وإبداع مستمر وعزيمة يزينها الصبر.

وحجازي رائد أعمال صاحب باع طويل وخبرة تفوق 15 عامًا في مجال الشركات الناشئة والتكنولوجيا والتجارة الإلكترونية والإعلام الرقمي، بالإضافة إلى كونه شريكًا إداريًا في المجموعة الاستشارية إنتو مينا intoMENA التي تساعد الشركات الدولية في إدارة أعمالها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

أما عالميًا، فربما مثّل كتاب «Founders At Work.. Stories of Startups' Early Days» الصادر عام 2001، واستعراضه لقصص مؤسسي شركات التكنولوجيا الكبرى مثل «آبل» و«أدوبي» و«جي ميل»، بداية هذه المؤلفات في الزمن المعاصر.

top-ads

# نهضة مصر # كتاب سن الرشد

امرأة من صعيد مصر .. رحلة شاقة إلى العالمية

ريادة أعمال